مجمع البحوث الاسلامية

234

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المسألة الرّابعة : في تحقيق المحاربة : وهي إشهار السّلاح قصد السّلب ، مأخوذ من الحرب ، وهو استلاب ما على المسلم بإظهار السّلاح عليه ، والمسلمون أولياء اللّه بقوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا يونس : 62 ، 63 ، وقد شرح ذلك مالك شرحا بالغا فيما رواه ابن وهب عنه ، قال ابن وهب : قال مالك : المحارب الّذي يقطع السّبيل وينفّر بالنّاس في كلّ مكان ، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا ، إذا ظهر عليه يقتل ؛ وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل ، أو الصّلب ، أو القطع ، أو النّفي . قال مالك : والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته سواء . وإن استخفى بذلك ، وظهر في النّاس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السّبيل أو قتل ، فذلك إلى الإمام ، يجتهد أيّ هذه الخصال شاء . وفي رواية عن ابن وهب : أنّ ذلك إن كان قريبا وأخذ بحدثانه فليأخذ الإمام فيه بأشدّ العقوبة ، وفي ذلك أربعة أقوال : الأوّل : ما تقدّم ذكره لمالك . الثّاني : أنّها الزّنى والسّرقة والقتل ، قاله مجاهد . الثّالث : أنّه المجاهر بقطع الطّريق والمكابر باللّصوصيّة في المصر وغيره ، قاله الشّافعيّ ومالك في رواية والأوزاعيّ . الرّابع : أنّه المجاهر في الطّريق لا في المصر ، قاله أبو حنيفة وعطاء . المسألة الخامسة : في التّنقيح : أمّا قول مجاهد فساقط ، إلّا أن يريد به أن يفعله مجاهرة مغالبة ، فإنّ ذلك أفحش في الحرابة . قال القاضي رضي اللّه عنه : لقد كنت أيّام تولية القضاء قد رفع إليّ قوم خرجوا محاربين إلى رفقة ، فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها ، ثمّ جدّ فيهم الطّلب فأخذوا وجيء بهم ، فسألت من كان ابتلاني اللّه به من المفتين ، فقالوا : ليسوا محاربين ، لأنّ الحرابة إنّما تكون في الأموال لا في الفروج . فقلت لهم : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! ألم تعلموا أنّ الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال ، وأنّ النّاس كلّهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته ، ولو كان فوق ما قال اللّه عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج ، وحسبكم من بلاء صحبة الجهّال ، وخصوصا في الفتيا والقضاء . وأمّا قول من قال : إنّه سواء في المصر والبيداء ، فإنّه أخذ بمطلق القرآن . وأمّا من فرّق فإنّه رأى أنّ الحرابة في البيداء أفحش منها في المصر ، لعدم الغوث في البيداء وإمكانه في المصر . والّذي نختاره : أنّ الحرابة عامّة في المصر والقفر ، وإن كان بعضها أفحش من بعض ، ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعنى الحرابة موجود فيها ، ولو خرج بعصا من في المصر لقتل بالسّيف ، ويؤخذ فيه بأشدّ ذلك لا بأيسره ، فإنّه سلب غيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظّاهرة ، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة ، فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة ، وكان حدّا ، فتحرّر أنّ قطع السّبيل موجب للقتل في أصحّ أقوالنا ، خلافا